06 May 2008

المخدوعون الذين قـُتِلوا في الشمس


آخر الملامح التي شكلت علاقتي بتوفيق صالح كانت مشاهدتي – أخيراً – لفيلمه "المخدوعون" ، تعرفت عليه قبل ذلك – وأحببته - عبر طرق أخرى غير إبداعه الفني ، بدأت من دوره الجميل في فيلم "إسكندرية كمان وكمان" الذي أدى فيه شخصيته الحقيقية بكل ما فيها من بساطة ورحابة روح وعلاقة صداقة حميمية جمعته مع يوسف شاهين كانت – ولازالت – من جوانب إعجابي بعمل شاهين العظيم ذاك ، تعرفت عليه بعدها عن طريق حواراته الذي بدا فيها عميقاً وواعياً عند تحدثه عن السينما .. سواء عند حديثه عن أفلامه أو عن أفلام آخرين ، كذلك عن طريق مقالات كُتِبَت عن أعماله الفنية القليلة والمميزة – كما قرأت – لنقاد أثق في رؤيتهم الفنية ، وأخيراً عبر مشاهدتي له عن قرب في إحدى العروض الكثيرة التي يحضرها ليدير وقتها حواراً عن فيلم ثيودور درير الصامت "جان دارك" كان فيه مشاهداً أكثر منه مخرجاً ، اختلفت معه في بعض مما قاله .. ناقشته عن الفيلم مع آخرين .. زاد حبي لتوفيق صالح الإنسان الذي يبدو شاباً حتى وهو في الثمانين من عمره ، كل هذا كان قبل أن أتعرف عليه كمخرج .. قبل أن أشاهد فيلمه مُنذُ يومين فقط .. وبجانبه شخصياً في العرض الذي أقيم بالمركز القومي للسينما ..


رغبتي الملحة في مشاهدة هذا العمل وبحثي عنه لشهور تعود لأسبابٍ ثلاث : 1- لأن العمل مقتبس عن رواية "رجال في الشمس" لغسان كنفاني ، وهي في نظري واحدة من أعظم الروايات العربية التي كُتبت في القرن العشرين ، لكاتب ومفكر وعاشق وثائر وشهيد يُدعى غسان .. أعتبره من أعظم الشخصيات الفلسطينية التي حملت القضية في بدايتها – أدبياً وسياسياً – بل وذهب في النهاية شهيداً من أجلها ، 2- للتعرف على فن مخرج هام وكبير توقف عن إبداعه جبرياً – نظراً لظروف السينما ومشاكلها الإنتاجية – ولم يخرج سوى سبعة أفلام فقط .. ومع ذلك يُعتبر من أهم مخرجي الجيل الذي خرج منه يوسف شاهين ومن أهم مخرجي السينما المصرية بشكل عام ، 3- للسمعة النقدية العالية التي يحملها الفيلم نفسه ، لدرجة اعتباره واحداً من أهم مائة فيلم سياسي في العالم .. وبالطبع واحداً من أهم الأفلام العربية ..

الرواية كتبها غسان كنفاني عام 1963 متناولاً تأثير الاجتياح الإسرائيلي لفلسطين عام 1948 عن طريق أربعة شخصيات من أجيال مختلفة وظروف مختلفة لا يجمع بينهم شيئاً سوى محاولتهم الوصول إلى الكويت فقط للبحث عن فرصة حياة أفضل بعيداً عن ( العدو والخونة ) كما يقول هو في إحدى الجمل المهمة في الرواية ، توفيق صالح ينجح في نقلها للسينما عام 1972 في سوريا بعد سعي متتالي لإنتاجها قبل ذلك في مصر ومحاولات انتهت جميعها بالفشل ، ربما لم أشاهد في حياتي فيلماً لديه هذا الولاء التام والكلي للرواية كما شاهدت في فيلم "المخدوعون" وهو الأمر الذي يؤكده توفيق صالح نفسه ، فبالرغم من نقله بضعه أعمال أدبية مهمة إلى السينما – أشهرها رائعة توفيق الحكيم "يوميات نائب في الأرياف" – إلا أنه لم يكن أميناً مع عمل كما كان أميناً مع عمل غسان هذا ، وشخصياً لم أرَ مخرج أميناً مع كاتب .. وفيلماً أميناً مع رواية .. كما رأيت هنا ..

الفيلم – كما الرواية بالطبع – يدور في أواخر الخمسينات مقدماً في شكل متتابع ثلاث شخصيات من فلسطين ومن ثلاث أجيال مختلفة .. الشيخ .. الرجل .. والصبي ورحلتهم في صحراء الشمس الحارقة من فلسطين إلى بغداد ثم الكويت بحثاً عن فرصة عمل يؤمنوا من خلالها المال لهم ولعائلاتهم ، الشخصية الأولى هي أبو قيس .. الرجل العجوز الذي شاخَ وكبر وأصبح كل حلمه هو أن يملك بيتاً فيه أشجار الزيتون التي يحبها ، وبعد ضيق الحال في فلسطين وعدم وجود فرص للعمل – أو حتى الحياة بأمان – يقرر بعد إلحاح متواصل السفر إلى الكويت رغم ما يعمله من صعوبه الرحلة على شيخ في سنه ، الشخصية الثانية هي أسعد .. المناضل والثائر المطلوب القبض عليه هناك تمهيداً لمحاكمته وإعدامه والذي يقرر الهرب إلى الكويت اتقاءً لذلك ، الشخصية الثالثة هي مروان .. الصبي في مدرسته الثانوية الذي لا يجد أمامه سوى السفر بعد توقف أخيه – الذي سافر أيضاً إلى الكويت !! – عن إرسال الأموال لإنه تزوج .. وأيضاً بعد تطليق أبيه لأمه حتى يتزوج من امرأة عرجاء تؤمن له – فقط – بيتاً ذا سقف ! ، تجتمع الشخصيات الثلاثة عند مهرَّب عراقي في بغداد يطلب منهم خمسة عشر ديناراً من أجل إرسالهم مع دليل عبر الصحراء إلى الكويت مباشرةً ، المبلغ يبدو كبيراً ولكن الأهم هو أن الرحلة ليست آمنة ولا مؤكدة الوصول ، ليقابلوا في ذلك الوقت شخصية الرواية الرابعة أبو الخيزران .. رجل فلسطيني يعمل في التهريب لصالح ثري كويتي ، أبو خيزران كان مناضلاً فلسطيناً فقد رجولته بعد انفجار قنبلة فيه في إحدى العمليات المسلحة ليخرج منها ناقما ًعلى نفسه وعلى الوطن .. يعمل من أجل شيء واحد فقط بقدر ما يبدو دنيئاً بقدر ما يبدو مفهوماً وهو أن يجمع الأموال من أجل أن يأتي عليه وقت ويرتاح ، يعرض عليهم أبو الخيزران نقلهم إلى الكويت عن طريق عربته ذات خزان المياة مقابل عشر دنانير – وخمسة فقط من مروان لأنه لا يملك غيرها - ، ليخوض رباعتهم رحلة مريرة في الشمس .. في الصحراء الحارقة التي تودي بهم لمأساة لا تقل قوة ولا نزفاً عن مأساة القضية ذاتها ..


كتب غسان رواية بعد سنوات ليست كثيرة من بداية القضية ، وقتها بدأت حالة جماعية من الهجرة إلى البلدان العربية وترك فلسطين ، هجرة تسمى أحياناً هروباً .. وبنظرة أكثر إنسانية تسمى بحثاً عن حياة أفضل ، ولا يبدو في روايته محاكماً لشخصيات قدرما يحاكم ظروف أدت بهم إلى الجحيم – وهو جحيم فعلي ورمزي - الذي لاقوه في النهاية ، توفيق صالح يستنبط تماماً تلك الروح ويبدو مشاركاً غسان في وجعه لذلك فهو يعبر عنه بالصورة خير تعبير ، وثيقة محاكمة للعدو الذي لم يتوقف خلال سنوات عن قتل آلاف الأبرياء وتشريد أضعافهم .. وثيقة محاكمة للخونة الذين باعوا القضية وناسها لبتربحوا منها .. وثيقة محاكمة للعالم العربي الذي نسى قضيته الأساسية .. وثيقة تأريخ لوقتٍ لن يُنسى ، لم يأتِ أبداً اختيار شخصيات تمثل ثلاث أجيال بشكل اعتباطي .. هي أجيال تمثل ماضي وحاضر ومستقبل القضية الذي يذهب تحت الشمس وأمام آبار البترول والغرف المكيفة لبائعي القضية ، السخرية التي يحملها في كون السائق – القائد .. الحارس كما يذكر بتلك الألفاظ في الفيلم والرواية – عاجزاً .. لنصل إلى نتيجة أن الهوان الفلسطيني نتيجة مباشرة للعجز العربي ..

ووسط هذا الخطاب السياسي العالي والواضح الذي يغلف الأحداث ، هناك زخماً إنسانياً أكسب العملين – الأدبي والسينمائي – الجانب الأكبر من تقديري لهما ، غسان كنفاني لديه قدرة مدهشة لم أرَ مثلها على أن يحب جميع شخصيات عمله بلا استثناء وهو شيء انطبع على الفيلم بوضوح واستنبطه توفيق صالح بشيءًّ من العبقرية ، جميع شخصيات العمل مقهورين نتاجاً لوطنٍ مقهور .. جميعهم لا يطمعون في أيَّ شيء أكثر من مجرد حياة كريمة وآمنة ، يبهرني تماماً في العمل تلك الأحلام البسيطة والمشروعة التي تحملها الشخصيات .. شخصيات لا يرغب أغلبها سوى في بيتٍ ذا سقف ! ، أبا قيس يحلم في أن يعود لأرضه وأشجار زيتونه ويحزن كثيراً لأن الكويت لا يوجد بها أشجار .. فقط أموال ! ، أسعد يرغب في أرض لا يعيش فيها هارباً ومقتولاً بين لحظةٍ وأخرى ، مروان يطمح في أن يكمل تعليمه في مدرسته .. في أن يُريح أمه ويطعم أخوته بعد أن تخلى عنهما الأخ والأب ، حتى أبو الخيزران لا يرغب في أكثر من الراحة .. تعويضاً ولو بسيطاً عن رجولته التي سُلبت منه ، يقبل ببساطة أن يوصل مروان إلى الكويت بخمس دنانير لأن بداخله مازال نقياً .. لم يكن جشعاً أو غليظاً لبترك صبي كهذا دون أن يوصله ، وهو في رحلته يرغب في إيصالهم فعلاً ويهتم بشأنهم حقاً ولكنه يعجز لأن القضية كانت أكبر منه ، حتى الشخصيات الثانوية التي تبدو هامشية أكسبها غسان – وتوفيق كذلك – تفاصيل حميمية تحمل مرارة القضية ، زوجة أبا قيس التي تودع زوجها .. ترغب في بقاءه بينهم وتحلم بأن يعود من الكويت بمالٍ يحمل لهم حياة غير هذه الحياة التي فرضها العدوان ، عم أسعد .. الذي يغصبه على أن يتزوج ابنته ليس شراً أو استخداماً للقوة ولكن فقط لأنه يريد أن يضمن لها حياتها قبل أن يموت ، والد مروان .. الذي يتركه هو وأخوته ووالدته .. تصرف مشين نرفضه ولكننا لا نملك غير التأثر حينما نسمعه يقول " أنت تعرف يا مروان أنه لا يد لي في الأمر ، أريد أن أرتاح وأسكن في بيتٍ قبل أن أموت" ، شفيقة – زوجة والد مروان العرجاء – التي تفقد إحدى قدميها في إحدى الغارات الإسرائيلية لا ترغب سوى في زوج ورجل بجانبها ، حتى أنها لا تمانع أن تشاركها امرأة أخرى وتعرض فعلاً على أم مروان أن تعيش معهم فهي لم تخطفه قدرما أرادت أن تستظل به ، وحينما يسافر مروان تبكي عليه بشدة – في تفصيله شديدة الإنسانية والصدق .. بعيدة كل البعد عن الميلودراما -..

جميع شخصيات العمل – بلا استثناء – لا تبحث عن المادة في ذاتها .. بل تبحث عن الأمان ، جميع شخصيات هذا العمل لا تهرب من وطن ولا تتنصل من قضية .. ولكنها تهرب من قهر يحيط بها ورصاص عدو يتتبعها ، جميع شخصيات هذا العمل ستخترقك وتلامسك وتسألك – عبر كل صفحة من الرواية .. وكل مشهد من الفيلم – "ألن تفعل هذا لو كنت مكاننا ؟!"

كل هذا يجعل العمل الملحمي السياسي .. واحد من أعظم الأعمال التي استطاعت "أنسنة" قضية كبرى وصراع مستمر ..

غسان كنفاني – الأديب الذي قدم عدة أعمال مدهشة .. المفكر الذي يعتبر من أهم من قدموا تنظيراً للمقامة الفلسطينية .. العاشق الذي كتب لغادة السمان رسائل حب خالدة مازالت شاهدة حتى اليوم على رقة هذا الإنسان العظيم .. الثائر الذي استشهد من أجل قضيته ليصبح إيمانه بها فعلاً وقوله عنها عملا – سهَّل الكثير على توفيق صالح في كتابته للسيناريو عبر تفاصيله البصرية شديدة الصدق التي حملتها الرواية ، ورغم ذلك فعمل توفيق صالح الإخراجي رائع فعلاً .. ربما لم أِشاهد مخرج عربي آخر يتعامل مع اللقطات الموسعة ثم لغة الكلوس آب وكذلك اللقطات الطويلة بهذه الحرفية سوى يوسف شاهين - ساعده على ذلك بالطبع تصوير بهجت حيدر الرائع في أول أعماله الروائية - ، توفيق يحيط فيلمه بدقة متناهية في كل لقطة من العمل واختيار ناجح للأبيض والأسود – رغم استطاعته تصويره بالألوان – للتعبير عن قسوة الواقع الذي يتناوله ، إضافة بصرية مفيدة في الكثير من المشاهد مع دمج لمشاهد تسجيلية صورها هو نفسه في فلسطين قبل عدة سنوات من إنتاج الفيلم ، ليصبح ( التسجيلي ) جزءً لا يتجزأ من ( الروائي – التأريخي ) ليزيد من صدق الفيلم ويؤكد مرة أخرى على قسوة الواقع الذي عبَّر عنه ، خصوصاً مع موسيقي العراقي الكبير صلحي الوادي التي تبدو غاضبة في بعض الأحيان .. باكية في الكثير منها .. وجنائزية في نهاية القصة التي لم تنتهِ بعد ..

في نهاية الرواية يتساءل السائق عن السبب الذي لم يجعل الشخصيات الثلاث يدقون على جدار الخزان كي يتم إنقاذهم .. أليسَ السجن أهون من الموت ؟ ، إلا أن توفيق في نهاية فيلمه يجعل أبطاله يدقون جدار الخزان بقوة ولكن لا يسمعهم أحد وتعلو أصواتهم أصوات المكيفات التي تبرد غرفاً يعيش بداخلها الصمت والخزي العربي دون أن يسمع أحدهم شيئاً من صراخ المخدوعين ، وحينما سألتُ توفيق صالح عن السبب الذي جعله يغير النهاية رغم ولاءه الكلي لباقي أحداث الرواية ، أجاب بأن هذا هو السؤال الوحيد الذي سأله له غسان كنفاني ، وأوضح – بما وافقته فيه – بأنه أخبره أن المقاومة الفلسطينية تخطف طائرات وتقوم بعمليات متتالية كي يسمعهم العالم لذلك فهم يدقوا جدران الخزان .. يدقوا ويدقوا ويدقوا منذ خمسون عاماً .. ولكن لا أحد يسمع أو لا أحد يريد أن يسمع ..

فاز الفيلم بالجائزة الذهبية في مهرجان قرطاج عام 1973 ، بعد عامٍ واحد من استشهاد غسان كنفاني – الذي كان عضو في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – نتيجة لوضع عبوات ناسفة في سيارته ، ليلحق - مستشهداً - بمخدوعيه الذين قًُتِلُوا في الشمس ..


عاجل وشكراً .. للأهمية

( 1 )

الماضي والمستقبل عملوني سندوتش
بتمرجح بينهم

( 2 )

الماضي نفاني لقدام
أنا منفي مع الأيام

( 3 )

الفجر قام ولا قمش ديك يدَّن

( 4 )

- انتَ الغلام وانتَ العجوز جداً


( 5 )

الحب عنده برد وبيعطش شجن عجوز

( 6 )

دبحتوا ليه دكر الحمام لما انتوا بتحبوه ؟!!

( 7 )

- صدقني وحش الحزن مش إنسان

( 8 )

أنا قلبي مهوش مستحمل
ده يدوبك أربع حجرات
مقفولة وضلمة
ملمومة ولمة
صور الناس اللي ما بيني وبينهم حكايات

( 9 )

متفتكرش إني نعش .. أو كبايات فاضية
أنا كبايات عصير قصب .. مليانة ع الآخر
والخلق مبتشربش

( 10 )

أنا متشرَّح

( 11 )

إلى عيون الخلق والمية :
عطشان .. ولو في دقيقة مشربتش هموت
مقتول

عاجل وشكراً .. للأهمية

( 12 )

متتوبش عن أحلامك ، متفرطش في أوهامك

( 13 )

الليل معبَّي في زكايب

( 14 )

- بانتظار النور

أُضْرِب عن هذا

السبب الرئيسي في نظري اللي أدى لنجاح إضراب 6 أبريل هو كون الدعوة خرجت من وسط الناس ، من عمال غزل المحلة ويتضامن بعدها موظفي الضرائب العقارية وفئات شعبية تانية ، بشكل موازي مع نشر الدعوة بشكل إعلامي جيد لعب فيه الفيس بووك دور البطولة في توصيل فكرة الإضراب لشريحة كبيرة من الناس ، دور القوى السياسية في مصر كان موجود بالفعل ولكنه ضئيل جداً بالنسبة للمصداقية اللي حققتها الدعوة بعد خروجها من العمال .. اللي هما أصحاب الإستفادة الأكبر والأهم لأي تغيير حقيقي في مصر – أو في أي دولة بشكل عام - ، وبالرغم من تعدد أسباب الإضراب – لدرجة غدم تحديدها أصلاً – إلا إن الغلاء اللي كان ولازال بيمس الناس بشكل واضح وفعلي طُرح – ببين الناس – كسبب أول وأهم للإضراب ، عشان كده مشاركة الإخوان أو عدم مشاركتهم .. الكلام التنظيري اللي صدر عن حزب التجمع .. حتى التهديدات الحكومية اللي صدرت للموظفين ، كل ده مقللش من النجاح اللي حققه الإضراب – بصرف النظر عن اختلافنا في تحديد نسبته .. بس فيه نجاح فعلاً - ..

النجاح الأهم اللي حصل خلال اليوم زي ما أنا شايفه هو إن مصر بقت لأول حاجة تخص شعبها ، مش لعبة ما بين الحكومة والمعارضة ، تقريباً أول تحرك شعبي حقيقي وعلى مستوى واسع مش نخبوي يشوفه جيلي ، الناس كانت مشتركة فعلاً حتى ولو بالرفض ، صحيح إن فيه ناس مكنتش فاهمة .. وصحيح إن فيه ناس أضربت بدافع الخوف .. وصحيح إن فيه ناس رفضت الإضراب واستمرت في أعمالها رغم السوء الشديد في أحوالها ، بس كل ده ارتبط ( بفعل ) .. بإيجابية .. مش صمت وتجاهل لأي تحرك سياسي زي ما كان بيحصل خلال الأربع سنين اللي فاتت ..

الاستفادة من النجاح اللي حققه إضراب 6 أبريل كان لازمله شوية هدوء ، شوية تفكير في الخطوة الجاية بعيداً عن حماس جميل ومفيد بكل تأكيد بس لما يتوجه بشكل سليم ، محاولة فهم الناس واستغلال مشاركتها المرة دي وتقوية فكرتها – عن طريق طرق أنا شخصياً معرفهاش – عن الاحتجاج السلمي ومحاولة الوصول لحقوقنا من خلاله ، بدل ده صدر دعوة لإضراب جديد قبل ما أي حاجة تحصل كنتيجة لنجاح إضراب 6 أبريل وبعد 48 ساعة بس ابتدت تصدر بانرات وصور لـ 4 مايو ، الأمر اللي قوبل بتجاهل من الناس .. وبحماس أقل من ناس كتير كانت متحمسة جداً للإضراب الأول ..

مش شايف أبداً إن فشل الإضراب الأخير سببه علاوة ال30% اللي قررت – وكانت نقطة مهمة من نجاحات 6 أبريل – لإن الناس لو حست إن الحراك بيجيب نتيجة أكيد هتتحرك أكتر ناحية حقوقها ! ، الأسباب – زي ما أنا شايفها – كانت :

1- شعور بعدم مصداقية التحرك المرة دي وتحوله مرة تانية لتحرك نخبوي – رغم إن الدعوة لحد دلوقتي مش محدد مصدرها وإن كانت بدأت من شباب الفيس بووك مش من النخبة – ولعبة على بلد ما بين الحكومة والمعارضة
2- كاريكاتيرية التاريخ المحدد
3- القرب الشديد في الميعاد لأقل من شهر
4- عشوائية التحرك الإعلامي على عكس الإضراب اللي فات
5- المرة دي ثُقل وجود الدعوة العمال – الجدعان اللي خدوا حقوقهم من حنك الحكومة على حد تعليق شخص كان قاعد جنبي من فترة في الميكروباص – مكنش موجود حتى مع مشاركته
6- بالتأكيد الضحايا اللي كانوا نتاج يوم 6 أبريل وكذلك المعتقلين أثروا سلباً

ونتيجة لده كل حاجة في القاهرة أول إمبارح كانت زي ما هي ، الشوارع .. الزحمة .. الجامعات اللي خلت من المظاهرات واستمرت الدراسة فيها بشكل عادي ، كنت نازل وسط البلد والمشوار اللي باخده في نص ساعة خدته في ساعة إلا ربع ، كل شيء كان في وضعه العادي جداً ! ، وكذلك في كل محافظات مصر باستثناء المحلة اللي يقال إنها تحولت لثكنة عسكرية ومنعت الحركة فيها بشكل تان ..

يمكن الحاجة اللي ممكن نستفيدها من الإضراب ده هو تأكيد مستمر على ضعف نظام بيرتعش من دعوة إضراب أطلقها مجموعة من الشباب على موقع إلكتروني ، تأكيد مستمر على إن أي تحرك أيًّ كان عشان يحقق نجاح لازم يكون ملامس لحساسية الناس للتحرك السياسي عشان تحقيق مطالب واضحة وليها صورة محددة في أذهانهم كغلاء الأسعار – مش معنى هلامي لا يخصهم كقانون الإرهاب أو معركة الديمقراطية - ، تأكيد مستمر على استحالة الاعتماد على الإخوان واستحالة وقوفهم ورا أي تحرك ليه مطالب تخص الشعب مش الأجندة الخاصة – الكلمة دي متكررة وساذجة شوية بس هي وصف لواقع أكثر سذاجة وتكرار - ..

ورغم أي حاجة أفتكر إن النتايج الحيدة اللي حققها يوم 6 أبريل لسه موجودة بشرط الاستفادة منها كتدعيم لفكرة الاحتجاج السلمي المستمر مش سلبية مستترة بتختصر الإضراب ورا كلمة خليك في البيت .. وللآسف كلامي ده على قد ما بتمناه على قد ما بتوقع إن مفيش حاجة منه هتحصل !

بس رغم كل شيء لسه الأمل في الناس لإن مفيش أي تغيير حقيقي هيحصل في مصر من غيرهم ..

يا مسهَّل

21 April 2008

لحظة قمر


وعقلي .. هيفضل في الحارة الضيقة

والشمس .. في المعلقة
تنوَّر الشاي في الصباح

" ... فجأة ، رأيت القمر"

أغلب اللي يعرفوني – إن لم يكن كلهم – يعرفوا كويس اقتناعي التام بوجود صلة
روحية ما بيني وبين القمر

كتير كنت بفكر إن ده نوع من الخزعبلات الطفولية أو الأفكار الرومانسية أو علامات براءة – تسمى أحياناً سذاجة – أنا منتمي ليها .. ومكنش بيفرق معايا المبرر كتير ، بس الموضوع خد سند علمي وجدي – جنب إحساسي الشخصي – لما قريت من فترة في كتاب خاص بالأبراج إن البرج بتاعي – السرطان – هو أكتر الأبراج اتصالاً بالكون ومظاهره ، والقمر تحديداً بيتصل بيه البرج في مراحل نموُّه الشهرية .. يكون في أسوأ حالاته النفسية واتصاله الكوني وهو ( محاق ) مُعتم .. ويبدأ معاه في مراحله وصولاً للاكتمال الشهري ( القمري .. النفسي ) ..

أول مرة قريت الكلام ده ابتسمت من جوا ، عشان ببساطة مكنتش مستني أقرا ده عشان أصدق مضمونه ، أنا كنت مقتنع بده فعلاً ، لدرجة إني مرة – قبل ما أقرا الكلام ده – قلت لحد قريب مني "القمر بقاله شهور كريم معايا أوي ، بقيت حاسس إن اكتمالي الشخصي كبني آدم مرتبط باكتماله ، وكل مرة يكتمل بيكون معاه دهشة وبهجة وفرح وابتسامة داخلية بمبرر أو من غير"

الفرق بس لما قريت الكلام بتاع كتاب الأبراج إن بقى فيه سند منطقي – غير منتظر – لإحساسي – اللي كنت مصدقه تماماً - ، وزاد شعوري إن القمر ده بتاعي لوحدي وفرحتي باكتماله أكبر من فرحة أي حد في الدنيا ، مش بس لأي معنى فلسفي أو جمالي مرتبط بوجوده .. الأهم إن أنا بكون أحسن وأقوى .. بنوَّر من جوا ، وعشان هو بتاعي .. بيجيني إحساس إني عايز أشاور عليه لكل واحد ماشي في الشارع وأقوله : بص .. القمر كامل .. جاي بكل نوره .. بجد مش حلم

قد إيه بيكون مدهش لما فجأة أشوفه قدامي مكتمل ، ببقى مزقطط لدرجة إن نفسي أقول هيييه .. بيكون مفاجئ فعلاً رغم كونه اعتيادي ، إحساس عامل زي قناعتنا الرهيبة وإحنا أطفال إن سانتا كروز هيفتح علينا الباب ليلة راس السنة ويحطلنا هدية .. ورغم قناعة قدومة اليقينية .. قد إيه هنكون متفاجئين لو هديته جت ؟ ، هكذا هو القمر الكامل الذي رأيته .. فجأة

"
ولكنك بالتأكيد ستشعر بإحساسي وأنا أرى القمر فجأة في شريحة من شرائح القاهرة ، شريحة تسمح لك برؤية السماء ، رأيتُ القمر عجيباً جداً "

إحنا بننسى كتير وسط الضلمة والحزن إن عتمة القمر مش معناها اندثاره ، إن اختفاءه هنا ده جزء من دورته عشان يرجع قدامنا في كامل نوره .. يكتمل جزء ورا جزء .. حتة ورا حتة ..

جوا كل واحد فينا قمره
ساعات بيعتم .. بس لازم بيرجع ينوَّر .. يكتمل
ده جزء من دورة الحياة اللي لازم نكون فاهمينها ، عشان نقدر نعيشها صح

كتير جداً من اللي حواليا شايفني متفاءل زيادة عن اللزوم وإن ده ساعات بيكون مزعج ليهم – أو مستفز - ، بس ده مش حالة استثنائية ولا تصالح زيادة مع الدنيا ولا حتى فهم كامل لمعادلة القمر اللي قلتها في السطور اللي قبل كده .. مش عشان أي حاجة من دي بقدر أكون واقف ومتماسك .. مؤمن بالدنيا وناسها حتى لما بقع ، يمكن السبب إني بعرف أمسك بتلابيب فرحي كويس .. مش بنسى اللحظات الحلوة حتى لو بقت ماضي .. ببقى عارف إن بكرة جايب لحظات أحلى وبرضه هتبقى ماضي .. بس المهم ميتنسيش ، وإحنا مننساش استدارة القمر ونوره لحظة عتمته .. عشان تفضل قادر تحبه ومؤمن بيه

بس أنا كمان ساعات بنسى !

" كل مراكز عقولنا محملة فوق طاقتها بأكوامٍ من الأرقام والحسابات والديون والمطالب والاحتمالات ، المركز الواحد أمامه طابور أفكار برمته
نسينا القمر"

بقالي فترة – حتى مش قادر أحددها – مش مظبوط .. مش كويس

كل شوية الحياة تخبطني على دماغي في حاجة .. هوب أحاول أقوم .. طاخ أقع تاني

مضروب بأمين بحدَّاد بزيادة – لسبب غير مرتبط بالفترة غير المستقرة .. بس أكيد تواءم معاها -
أمين كان بيقول : وجراحي مبتزفش .. وأنا متشرَّح ، واللي بيفرَّحني .. مش بيفرَّح

عشان كده :
أنا سهران على سريري بعد الضهرية .. وروحي تحت مخدتي متنية

قعد يعيط من جوا قد إيه عشان يكتب إن روحه اتنت تحت مخدته ورغم إنه متشرَّح .. جراحه منزفتش ؟؟!

نسى القمر
نسينا القمر

" لا أحد بالظبط يعرف ماذا يحدث للإنسان حينما يتصل بالكون ، ولكن الذي لا شك فيه أن الإنسان ( الكوني ) أقوى بكثير من الإنسان بلا بعد كوني ، فالإنسان ذو البعد الكوني إنسان أقرب إلى حقيقته الإنسانية وطبعه البشري ، أقرب إلى فطرته وأصالته ، أقرب إلى جماله وإنسانيته "

بس لازم أرجع .. أفتكر ، أقول لنفسي بصوت عالي إني لسه مصدَّق كل حاجة .. لسه مصدق اللي حصل .. ومصدق اللي محصلش

كان منظر تحفة وأنا ببص إمبارح على نور الشمس الفضي قرب الغروب وهو بيحضن السحاب ، في البداية كان ( بيشققه ) عشان ياخد مساحته في الدنيا بس بعدها بقى بيحضنه والسحاب هو اللي بينسحب عشان يمد له طريق ، خيوط نور مكنتش كافية عشان تنوَّر الدنيا لإن غروب الشمس كان قرب .. بس كانت كافية إنها تخليني أبتسم من جوا – ومن برة – أوي وألمس الجمال بإديا .. جمال دنيا مبيدبلش ضيها ، حتى لو ضاعت منا - فيها - خيوط نور مهمة في حياتنا

قبلها كنت بتفرج على "إيترنال سانشاين أوف ذا سبوتليس مايند" مرة تالتة ، قصة الذكريات اللي ممكن في لحظة نقبل إننا نستغنى عنها لمجرد إن أصحابها – اللي شاركونا فيها – مبقوش موجودين .. بس بنكتشف إنها كانت أكبر – وأجمل – منهم ومنا .. إنها حاجة بقت موجودة جوا روحنا ، "إن سهل تمسح شخص من عقلك بس مستحيل تمحيه من قلبك" .. "إن ذكرياتنا بقت جزء مننا مينفعش نغيره .. عشان كان مرحلة في تكويننا"
.. وحتى لو أُتيح لينا فرصة محوها أو نسيانها .. هنرفض ونمسك فيها ، من فترة كنت مقتنع إن الذكرى بتفضل عظيمة لما طرفيها بيفضلوا شايلنها ولو سقطت من على كتف طرف هتسقط من كتف الطرف التاني ، دلوقتي قناعتي اتغيرت تماماً وبقيت مصدق إن ذكرياتنا اللي بنعيشها مع آخرين بقت نجوم منوَّرة جوا سرداب ذكرياتنا نبقى عبط لو فرطنا فيها .. لو فكرنا نمحيها ، يكفي عشان نفضل نحب ( الآخرين ) – وفي أحيان أخرى نموت فيهم - اللي شاركونا الذكريات إننا نفتكر قدر البهجة اللي سببوها لينا .. أو سببناها ليهم ، ورسمت ذكرياتنا المشتركة دي ، أنا إزاي مكنتش شايف قبل كده إن الفيلم ده عظيم ؟!

كانت صدفة إن كل ده يحصل في يوم واحد ؟؟

إمبارح كان يوم 14 في الشهر العربي

" ... وفجأة ، رأيت القمر"

" رفرفت في صدري أجنحة عصفور زقزق في قلبي كالزغرودة وهفهف بجناحيه مرحباً وكأن الأمر عيد يهش له

وبدا كما لو كنت أستعيد حياتي كلها في شريط سريع أمام القمر أو بالضبط أمام لحظة قمر "

كان بيقولي أنا لسه موجود ؟ أنا لسه جنبك ؟
ولا كان بيزغزغني عشان أضحك ؟؟
ولا كان بيأكد لي بس إن كل الحاجات اللي بتفرَّحني .. لسه بتفرَّح ؟؟

إزاي قدر يلعب في كل الحاجات اللي حصلت في يومي بالقدرية دي عشان يرد على الصوت اللي بيقول إن حاجات كتير بتموت في ليل الشتا .. بإن حاجات أكتر بترفض تموت ؟

إزاي مزعلش مني رغم إني كنت ناسيه ؟

إزاي قدر يفكرني بكل ذكرياتنا الشهور اللي فاتت سوا .. ومعانا أطراف تانية .. يروحوا وييجوا .. تغير فيهم الحياة أو يغيريوها .. بس الأكيد إني هفضل أحبهم وأشوفهم منورين طالما شاركوني ذكريات كاملة الجمال زي دي ، والمؤكد أكتر .. إن أنا وهو هنفضل ثابتين

وإزاي قدر يخلق ذكريات جديدة لا تقل تميُّزاً ؟؟

"وفجأة أيضاً ، ضاع القمر"

عشان مش شرط كل حاجة حلوة بتفضل موجودة

"أصبح لا معنى أن تنظر للسماء إذ لا سماء هناك"

بس يكفي إنك عشت اللحظات الحلوة
يكفي إنها هتفضل محفورة جواك

يكفي إن الدنيا بتاخد مننا .. بس بتفضل دايماً قادرة تفرحنا وتدينا وتفاجئنا

يكفي إننا نفتكر القمر .. المعتم الذي يكتمل – مع الوقت - نوره ويصل إلى كامل استدارته ، وكلما يموت .. يولد من جديد

يكفي إني – في اللحظة دي – مبتسم
مش شرط مبسوط بس متصالح مع كل حاجة فعلاً
وحاسس كل حاجة متصالحة معايا
وإن الدنيا – رغم خبطتها المتتالية – لسه بتحدف بلالين فرح تنوَّر في الربيع
ولسه بتعرف تدلَّع عليا وتصالحني وتديني لحظات لا تنسى .. لحظات قمر

"فجأة ، رأيتُ القمر ..

ولحظة واحدة عشتها معه

وفجأة ضاع القمر وضاع بصري بحثاً عن موطن قدم

ولكن قلبي لا يزال يرفرف بالسعادة ، إذ يكفي أني ، بعتني ، رأيتُ القمر"

أمين كان بيقول :

كداب اللي يقولك إن العادي عياط
والدخنة الليلية مالية الدنيا شياط
وتخلي عنيك بتبظ
كداب اللي يقولك قش الرز
كداب اللي يقولك ورد النيل
كداب اللي يقولك مات قنديل
وإن الحب قليل
وإن القبح جميل
وإن ميزان الدنيا يميل
ويطبب أحزانك
كل ده كدب في كدب
الناس قدامك
ماشية وفاردة ضهورها
جاية بزهدها وفجورها
من أيامها لأيامك
للأيام الجاية

===

ملحوظة : الكلام بالأخضر من قصة ليوسف إدريس بنفس عنوان البوست

مفترق الطرق

26 February 2008

أن تكون عباس العبد

الجميع يعرف من هو رامز
يعرف انجازاته وبطولاته .. فتوحاته الأدبية وتاريخه
لا داعي لسرد قصة حياته
فهو غني عن التعريف
لكن ما قرأته منذ قليل جعلني في حالة لا توصف من السرور والغبطة
وهو ما دفعني – سراً – لأبحث عن لاب توبي المفتوح لأكتب ما أشعر به
لأكتب لكم عنه
من أجل الجمهورية المصرية .. من أجل الأمة العربية .. من أجل الإنسانية كلها
أكتب لكم عن رجلاً من أغنى الرجال .. رجلاً من أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال
هو القديس رامز الشرقاوي

-----

المعلومات المتوفرة لدينا عن المواطن رامز الشرقاوي قبل أن يتم عامه السادس والعشرين قليلة

ربما لهذا استقبل العالم باندهاش حنينه لأغنية الأطفال الشهيرة "طيري يا عصفورة" ، فالموقف حينها كان قد تغير تماماً وأصبح من المنطقي التفكير في كون رامز الشرقاوي كان – قبل سن السادسة والعشرين – طفلاً مرَّ بمراحل النمو الطبيعية ، على حدَّ تعبير البعض :

ده دليل معقول ممكن يعزز موقف الناس اللي بتدَّعي إن رامز كان طفل زينا

هذا الاختفاء الطويل عن الأضواء والجمهور والشعب العريض المنتظر لنفحة من ضياءه كان له أسبابه بالطبع


أحد تلك الأسباب هو خصوصية وضع الأقليات في مصر ورامز لا ينتمي لأقلية واحدة .. ولا اثنان .. بل لثلاث أقليات

وهو ما أدركه منذ سنونه الأولى حينما حدث ذات مرة أن أخبره أحدهم في قسوة :

مشكلتك يا رامز إنك مش قادر تفهم خطورة وضعك و موقفك و مُصِر إنك تحط نفسك في مواجهات انت مش قدها ,, يا ابني انت الشخص الوحيد اللي شوفته في مصر بينتمي لكل الأقليات الممكنة

مصر فيها 75 مايون بني آدم ,, منهم12 مليون مسيحي ,, قول 15 مليون من عندي ,, منهم 400 ألف كاثوليكي ,, قول نص مليون من عندي ,, منهم 10 زملكاوية ,, قول 12 من عندي ,, خمسة منهم ماتوا بعد ماتش الهلال ,, و خمسة هاجروا بعد ماتش الفيصلي ,, فاضل انت و واحد جاري البحث عنه ,, تلاقيه خايف على نفسه و مستخبي اليومين دول ,, اعمل زيه أنا خايف عليك


أسباب أخرى لها دور في تباعده الاختياري ، فقد بدأ المذكور كتابته في سنًّ صغير:

كتبت أولى رواياتى في مرحلة عمرية مبكرة
كنت متأثرا بما حولى من حب و رعاية اسرية و كنسية حيث كنا نتلقى المحبة بمشتقاتها فقط
لم نكن نعرف عن الشر شيئا بعد .
كانت اولى كتاباتي تحكى عن فتى اسمه حسين ( لم اعرف لماذا أسميته حسين و لم اسمه جرجس مثلا و لكنها الوحدة الوطنية تقريبا )
المهم هذا الفتى فقد مبلغ من المال و جلس يبكى فى الطريق فوجده رجل طيب من هؤلاء الرجال الذين لا تقابلهم ابدا فى حياتك!!! ,
وجده ذلك الرجل فاخذه الى القسم و حرر محضرا و كان الضابط متعاون ! فطلب من الصبى الانتظار
و ماهى الا دقائق معدودات و حضر رجل طيب اخر! حاملا مبلغ من المال قد وجده و اتضح انه المبلغ الذى فقده الصبي
اعاد الضابط المبلغ الى حسين الذى عاد الى منزله سعيدا شاكرا الرجلين الطيبين و الضابط الذى هو رمز العدالة و التضحية فى سبيل الشعب !!!!
طبعا لو كتبت الرواية ألان لكتبت ان رجل وجد فتى معه مبلغ من المال فقتله و اخذ المال , وجد الضابط هذا الرجل فعذبه هو و اهل بيته و اخذ المال منهم جميعا و أعطاه لاحدهم ليهرب به
.

توقف بعدها عن الكتابة لسببين
الأول :
بعد ان كتبت تلك الملحمة الوطنية ذات الخمس اجزاء التى تبرز تحالف قوى الشعب العامل من عمال و فلاحين و شرطة , شعرت اننى اديت واجبى نحو الوطن و الساحة الادبية و انه يجب على ان انسحب

أمَّا الثاني :
فى تلك الفترة ترشح كاتب اسمه نجيب محفوظ لجائزة تسمى نوبل و احتراما لفارق السن توقفت عن الكتابة حتى لا يفقد الجائزة

هذين السببين ينيران لنا نبراساً نقرأ من خلاله مسيرة شخص عظيم كرامز الشرقاوي ، فقد وضح من البداية أن الرجل غيرُ طامعاً في الشهرة .. أو المال .. أو الأضواء ، ملحمته خماسية الأجزاء تعكس بوضوح قيم الخير والمحبة والمودة وهو جلَّ ما أراد أن يشعر به القارئ .. لذلك فبعدها فضل الانسحاب ، فالكتابة عنده ليس غاية ولكنها وسيلة لكي يعطي القارئ نفحه من روحه .. نفساً من أنفاسه .. يزيح عنه دخان الزيف وغبار الكذب لكي يعطيه دخاناً آخر ذا إحساس مختلف ينمى بداخله أشياء ليس هذا المكان ولا الزمان المناسب لذكرها

السبب الثاني الذي انسحب من أجله رامز الشرقاوي في هذا الوقت يعكس الأخلاقيات المصرية الواضحة التي يتميز بها ، ولنا الآن أن نتخيل ماذا لو انتشرت ملحمة الخمسة أجزاء على نطاق واسع قبل استلام محفوظ لجائزته !! ، بالتأكيد ستمحي الثلاثية وتتخطى أولاد حارتنا وتقتل الحرافيش في مهدها وتضع العجوز السبعيني – وقتها - في مأزق ، وهو ما لم يرتضيه الشرقاوي ..

حتى العودة البسيطة التي جاءت في منتصف التسعينات تقريباً ، لم تكن رغبة منه في العودة قدرما كانت ضرورة ملحة فرضتها عليه معطيات الأمور :

الى ان هناك حدث قد جعلنى اعود الى الكتابة بعد ذلك التوقف .....
قام احدهم بطعن نجيب محفوظ لأنه كافر و السبب رواية " اولاد حارتنا " التى لم يقرأها الطاعن لسببين أولهما أنه آمي و الثاني أنها لم تنشر اساسا .
و نتيجة ذلك و لأنى ملتزم مهنيا و لأنه عيش و ملح و عشرة عمر فقد قررت ان املأ الفراغ الذى تركه محفوظ و ان اظل اكتب حتى يكتب له الشفاء و يعود الى الساحة الادبية فأنسحب فى هدوء تاركا له مكانه و قد اديت واجبى نحو أحد الزملاء

وقتها عاد الشرقاوي ، قبل يتوارى مرة أخرى – كما وعد – بعد شفاء نجيب محفوظ من الطعنة الغادرة

إلى أن يعود من جديد في منتصف 2005 إلى الصورة .. متحدياً الصعاب .. مواجهاً التحديات .. مقدماً كتابات تهيم في حب الوطن وتعكس قيمه

وقبل الحديث عن كتابات رامز الشرقاوي يجدر بنا أن نطلع أولاً على الروافد الفكرية التي كونته

بدأ رامز القراءة في سنًّ صغير من أصعب طريق وهو الطريق الذي يعكس السير الشخصية لبضع شخصيات كان لها دوراً لافتاً في تاريخ البشرية :

كنت فى تلك المرحلة مرحلة التكوين اميل لقراءة كتب التراجم و السير الذاتية خاصة فى الادب العالمى و كنت اقرأ السير الذاتية الخاصة بميكى و بطوط و سمير

دون أن يغفل لجوانب هويته العربية .. المصرية :

اتجهت كذلك الى الأدب العربي و خاصة الاتجاه القومى العربى التقدمى الوحدوى المتمثل فى " الشياطين ال13 " و " رجل المستحيل "

متأثراً – في واحد من جوانب تكوينه – بالثورة العلمية التي وصلت لمجدها الأكبر في العقود الأخيرة من القرن العشرين :

كانت الحركة العلمية فى ذلك الوقت فى قمتها خاصة فى وجود عالمين مثل عبقرينو و بندق كان لهم أثر بالغ في وأثر على قراءاتي فاتجهت إلى : العلوم المستقبلية فى " ملف المستقبل " و الباراسيكولوجى فى " ما وراء الطبيعة

إلا أن كل تلك القراءات التي حصلها الرجل في سنًّ صغير لم ترضِ أبداً روح الباحث بداخله فاتجه إلى الأسس – خش ع التقيل - :

ثم اتجهت بقراءاتي الى كتب الذخائر و التراث حيث بدأت فى اقتناء مجلدات تان تان و كابتن هادوك

مهتم بالسينما ويبحث عنها أينما وجدت :

كنت اشاهد تراث السينما العالمى كل جمعة فى سينما الاطفال

ولم يغفل أبداً تاريخ السينما المصرية كجزءً لا يتجزأ من تكوينه :

في تلك الفترة بدأ الاهتمام بتاريخ السينما المصرية المتمثلة فى افلام السبعينيات و خاصة خالدة الذكر افلام" ناهد شريف " و تهتم بمشاهدة بعض افلام التراث مثل " حمام الملاطيلى " و " سيقان فى الوحل " و " ذئاب لا تأكل اللحم " و يتركز فى ذهنك بعض المشاهد مثل المشهد الخالد فى فيلم الكرنك... مشهد فرج و سعاد حسنى

لرامز توجه أيديولوجي واضح بدأ منذ نبته تكوينه الأولى :

تأثرت بالصراع الايديولوجى القائم بين عم دهب بتوجهه الرأسمالى و عم بطوط الثورى بتوجه اليسارى و حفاظه على القيم و العادات و التقاليد فى تربية جيل المستقبل سوسو و لولو و توتو

مما جعله يأخذ من شعار "ضد الفساد" منهجاً وقانوناً ، لا سيما مع اطلاعه ضمن قراءاته الأولى على سيرة "عصابة القناع الأسود" وانتهاء الأمر بهم إلى السجنِ دائماً مما ترك في نفسه أشد الأثر

تلك هي الروافد الأساسية التي كونت الظاهرة التي تسمى رامز الشرقاوي وألقت – فيما بعد – ظلالاً واضحة على كتاباته

كتابات رامز نفسها تعكس روح الوحدة الوطنية :

كنت جالس امام الشيخ فرحات

مؤذن جامع الكلية عندما فاجاته بالسؤال التالى

كيف نقضى على المسلمين ؟

كل ما يحدث في العالم من سيئات هو بسببكم أيها المسلمون
فأنتم من فشلتم على إجابة السؤال الخاص بكم

كتابات لا يفرق صاحبها – رغم ديانته – بين مسلم ومسيحي أبداً :

كل ما يحدث في العالم من سيئات هو بسببكم أيها المسيحيون
فبغض النظر عن أي اعتبارات تكفيرية أخرى
مصيبتكم أكبر لأن سؤالكم أطول


كتابات بها رومانسية مميزة وصادقة :

انتى حمارة بقى .... هههه .... كل ده و مش رومانسى

انتى لازم تعملى اختبار ذكاء .... ههههه ..... غباء غريب

دا انا وديتك اماكن مرحتيهاش و صرفت عليكى

و كلمتلك عن وشك و جسمك يا تخينة ... هههههه

دا احنا مثقفين زى بعض و بلاش كده

و لا لازم تحملى منى علشان نتجوز .....هههههه

عجبتنى قوى اخر جملة دى .... رحت عديتها تانى

تعكس بوضوح أخلاقيات المجتمع :

انا ما عكستهاش و لا فتحت بقى , ابن بنت الم... بيتبلى على , انا متكلمتش ولا كلمة , كل الى حصل انى لقيت جسمها مربرب و شديد كده , قلت امسكه و اقلب فيه , اشوفه بلاستيك عمليات و لا اصلى , علشان لو مغشوش بلاستيك , انبه الواد الى معاها , و لو اصلى يبقى اطمنت على خير بلدنا

ذات لغة عربية رصينة وواضحة دون أي إطناب أو زيادة أو حشو لا داعي له عاكسة جماليات لا حصر لها :

ايه الحلاوة دى يا م...

ايه الجسم ده يا ش...

ايه ال.... دى يا بنت بنت الك...



----

هي كتاباتٌ في مجملها تدور في فلك من أفلاك الذاتية لتتجاوز الذات الصغرى الضيقة لتصل إلى الذات الكبرى وتنطلق لمساحات أرحب من الأطر العامة والواسعة لتسكب الأحداث في صميم الوجدان محققة روح التمرد المحلقة لفنان أصيل في إطار أدبي مستحدث ينبع من التجديد والتقديم والرفض والقبول وصولاً إلى عظائم الأمور بإذن الله

----

بعد أن توغلنا معاً في روافد الفكرية التي ينبع منها كاتبنا الكبير بل والأساسيات التي تعتبر بمسابة العمود الفقري لأدبه آن لنا أن نتوقف حتى لو لم نرغب في ذلك ..

بقى لنا فقط أن نذكر السبب الذي جعلنا نكتب هذا البوست البسيط وهو أن رامز الشرقاوي قد استجاب أخيراً لنداءات الجمهور من مختلف البلاد ونشر أولى مجموعاته القصصية على الصعيد الإلكتروني

رامز .. ابنكم المصون وآباكم المخلص
رامز .. المتواجد دائماً في صالون المعلم مشمش الثقافي بحثاً عن الجديد في عالم الدماغ
رامز .. يستخلص عصارة مجهودة وخلاصة تجربته لكي يقدم لكم كل ما هو مفيد وصالح
رامز .. من أجلكم كتب .. من أجلكم ينشر إلكترونياً .. ومن أجل أصواتكم المنادية والمحبة في شغف سينشر ورقياً بإذن الله

رامز .. يقف في صف أستاذه ومعلمه الأول "عبد الله كمال" مستحضراً روحه ويصرخ قائلاً في شجاعةٍ وجلد :

الله يخرب بيتك يا هيكل





---

- الكلام بالأحمر من السيرة الذاتية للكاتب الكبير وبعض من نخبة أعماله

- الكلام بالأزرق لواحد من أهم قراءه ومخلصيه " سندرل "

And the Oscar goes to ...


- النتائج الكاملة يمكن رؤيتها هنا

- مجملاً : كان الحفل أقل في مستوى تقديمه .. تنظيمه .. إثارته .. لحظاته التي لا تنسى .. من العام الماضي بشكل خاص ومن السنوات الماضية بشكل عام

- الإخراج سيء لدرجة مزعجة .. أكثر من مرة تدخل الموسيقى على أحد الفائزين أثناء إلقاء كلمته ، أكثرها فداحة وإزعاجاً بالنسبة لي حينما كاد يفسد فرحة ماركيتا آريجلاف – الفائزة بأوسكار أفضل أغنية – ودخلت الموسيقى بعشوائية